خليل الصفدي

58

أعيان العصر وأعوان النصر

هذا آيدغمش على عين جالوت « 1 » هنا وهو أقرب ، فجاء إليه ، فأمسكه - على ما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - في ترجمة الفخري - ، ثم إن الناصر أحمد حقد على الأحمدي ذلك ، وهمّ بإمساكه ، فأحسّ بذلك ، فخرج من صفد هو ومماليكه ملبسين عدة السلاح ، واتّبعهم عسكر صفد ، فخرج منهم واحد ، وقتل ركن الدين عمر البتخاصي الحاجب الصغير . ثم إن الأحمدي قصد دمشق ، وليس لها يومئذ نائب ، فخرج الأمراء ليلا لإمساكه ، فقال : أنا قد جئت إليكم غير محارب ، فإن جاء أمر السلطان بإمسكاي فأمسكوني ، وأنا ضيف عندكم ، فأخرجوا له الإقامة تلك الليلة ، وأصبح والأمراء معه ، وجاء البريد من الكرك بإمساكه ، فكتب الأمراء إلى السلطان يسألونه فيه ، وأن هذا مملوكك ومملوك والدك ، وهو ركن من أركان الدولة ، وما له ذنب ، واليوم يعيش وغدا يموت ، ونسأل صدقات السلطان العفو عنه ، وأن يكون أميرا بدمشق ، فردّ الجواب بإمساكه ، فردوا الجواب بالسؤال فيه ، فأبى ذلك ، وقال : أمسكوه وانهبوه ، وخذوا أمواله لكم ، وابعثوا إليّ برأسه ، فأبوا ذلك ، وخلعوا طاعته ، وشقّوا العصا عليه . وبعد أيام قليلة ورد الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي من مصر مخبرا بأن المصريين خلعوا أحمد ، وولوا الملك الصالح إسماعيل . وبقي الأحمدي مقيما بقصر تنكز بالمزة ، إلى أن ورد المرسوم له بنيابة طرابلس ، فتوجّه إليها ، وأقام بها قريبا من شهرين ، ثم طلب إلى مصر فتوجه إليها ، وحضر عوضه الأمير سيف الدين أروم بغا نائبا ، ثم إن الأحمدي جهّز إلى الكرك ، يحاصر الناصر أحمد ، فحصره مدة وبالغ ، فلم ينل منه غرضا ، وتوجّه إلى مصر ، وأقام بها ، إلى أن أتاه الأمر الذي لا يرده بواب ، ولا يحول دونه حجاب . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في أوائل سنة ست وأربعين وسبعمائة ، ومات وهو في عمر الثمانين . ولما كان في تلك المدة مقيما بدمشق ، جاء حريم طشتمر من الكرك ، بعد ما نهبن بالكرك وسلبن ما وجدوهن ، فدفع الأحمدي إليهن مبلغ خمسة آلاف درهم .

--> ( 1 ) عين جالوت : اسم أعجمي لا ينصرف ، وهي بلدة لطيفة بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين كان الروم قد استولوا عليها مدة ثم استنفذها منهم صلاح الدين الملك الناصر يوسف بن أيوب سنة 579 ه .